محمد جمال الدين القاسمي
415
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 111 ] يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 111 ) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها منصوب ب ( رحيم ) أو ب ( اذكر ) واليوم يوم القيامة . ومعنى تُجادِلُ أي تحاجّ وتسعى في خلاصها . لا يهمها إلا ذاتها وشأنها . ولا يغني عنها مال ولا أب ولا ابن ولا شيء ما وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ أي من خير وشر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ في ذلك . وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 112 إلى 113 ] وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 112 ) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ ( 113 ) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ، وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ اعلم أنه لما هدد الكفار بالوعيد الشديد في الآخرة ، أنذرهم بنقمته في الدنيا أيضا بالجوع والخوف . ومعنى قوله تعالى : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً أي جعل القرية التي هذه حالها مثلا لكل قوم أنعم اللّه عليهم . فأبطرتهم النعمة . فكفروا وتولوا . فأنزل اللّه بهم نقمته . فيدخل فيهم أهل مكة دخولا أوليا ، أو لقوم معينين ، وهم أهل مكة . والقرية إما مقدرة بهذه الصفة غير معنية ، إذ لا يلزم وجود المشبه به . أو معينة من قرى الأولين . وقد ضمن ( ضرب ) معنى ( جعل ) و ( مثلا ) مفعول ثان و ( قرية ) مفعول أول . قال أبو السعود : وتأخير ( قرية ) مع كونها مفعولا أول ، لئلا يحول المفعول الثاني بينها وبين صفتها وما يترتب عليها . إذ التأخير عن الكل مخلّ بتجاذب أطراف النظم وتجاوبها . ولأن تأخير ما حقه التقديم مما يورث النفس ترقبا لوروده ، وتشوقا إليه . لا سيما إذا كان في المقدم ما يدعو إليه . فإن المثل مما يدعو إلى المحافظة على تفاصيل أحوال ما هو مثل . فيتمكن المؤخر عند وروده لديها فضل تمكن . والمراد بالقرية أهلها مجازا ، أو بتقدير مضاف . ومعنى كونها آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً أنه لا يزعجها